2012-08-18 01:33:54
حسين عطوي
تسارعت التطورات والاحداث في مصر على اثر الهجوم المشبوه الذي استهدف الجنود المصريين في سيناء، ففيما كانت القوات المسلحة المصرية تنفذ حملة عسكرية وامنية واسعة النطاق في سيناء، تستخدم فيها الدبابات، والطائرات الحربية، لأول مرة منذ توقيع اتفاقيات كامب ديفيد، وتواكب ذلك باغلاق معبر رفح، وبتدمير واقفال الانفاق بين مصر وقطاع غزة.
فاجأ الرئيس المصري محمد مرسي الرأي العام المصري، والعربي والعالمي بقرارات قضت باحالة قادة المجلس العسكري، وزير الدفاع المشير حسين طنطاوي، ورئيس الاركان سامي عنان على التقاعد وتعيينهما مستشارين عسكريين له، واختيار بديل لهما، وارفق ذلك بالغاء الاعلان الدستوري المكبل لصلاحيات الرئيس، وقد جاءت هذه القرارات، في وقت لم يكن احد يتوقعها، بعد تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة هشام قنديل على قاعدة الاتفاق الذي وقع مع المجلس العسكري، والذي قضى بتقاسم السلطة التنفيذية بين الجانبين، في ظل اعلان دستوري يفرض المجلس العسكري شريكا مع مرسي في الصلاحيات الدستورية.
واللافت أن المجلس العسكري لم يحرك ساكناً للاعتراض على هذه القرارات التي وضعت حداً لاشرافه على هذه المرحلة الانتقالية وتدخله في السلطة السياسية، ومشاركته في صنع القرار، بل أعلن التزامه بها وقام الرئيس مرسي بتقليد المشير طنطاوي وسام الجمهورية.
على أن ذلك طرح أسئلة عديدة، أبرزها:
- ماذا تعني هذه القرارات؟
- وهل حصل تفاهم سبق اتخادها؟
- أم انه لم يكن أمام المجلس العسكري سوى الانصياع لها، ولماذا؟
- وما هي العلاقة بينها وبين ما يجري في سيناء من عملية عسكرية أمنية؟
- هل تندرج القرارات في سياق عملية تغيير حقيقية ستشهدها السياسة المصرية على الصعيدين الداخلي والخارجي وعلاقات مصر مع الكيان الصهيوني، والولايات المتحدة الاميركية؟
- ام أنها تندرج في سياق تثبيت حكم الاخوان مقابل التزامهم بالابقاء على التزامات مصر السياسية، والأمنية التي تنص عليها اتفاقيات كامب ديفيد، وتكرسها علاقات التبعية التي تربط مصر بالولايات المتحدة الاميركية؟
- واخيراً ما هي النتائج المتوقعة لهذه القرارات على الوقع المصري في الحالتين: في حالة تغيير سياسات النظام السابق، وفي حالة المحافظة عليها؟
أولاً: ماذا تعني قرارات مرسي:
إن القرارات التي اتخذها مرسي تعني الآتي:
1- إن مرسي أصبح من الآن وصاعداُ الحاكم الفعلي لمصر، فهو بات يملك الصلاحيات التنفيذية والتشريعية في ظل غياب البرلمان، ولم يعد احد يشاركه في السلطة.
2- إن الرئيس مرسي لا يستطيع بعد الان تبرير عدم قدرته على اتخاذ القرارات، وبالتالي تلبية تطلعات الشعب المصري الذي ثار على سياسات نظام مبارك.
3- إن الاخوان المسلمين اصبحوا اليوم يقبضون على السلطة في مصر، وهذا يعني ان مصر باتت عمليا تحت حكمهم، ولذلك فان الاختبار الفعلي للاخوان في السلطة قد بدأ، فهل يقدمون نموذجاً في ادارة شؤون البلاد يكسبهم المزيد من التأييد يوفر لهم المناخ لكسب الانتخابات التشريعية المقبلة؟
وأم سيفشلون في ذلك، ويخسرون التاييد الشعبي الذي مكنهم من الوصول الى السلطة، ويحصل تحول في قواعدهم لصالح تأييد القوى الوطنية والقومية المعارضة لحكم الاخوان الذين نكثوا بتعهداتهم لها بتشكيل حكومة ائتلاف وطني يكون رئيسها من الشخصيات الوطنية المستقلة؟
ثانياً: تفاهم أم انصياع:
لقد فسر عدم اعتراض المجلس العسكري على قرارات مرسي في اطار واحد من الاحتمالات الآتية:
الاحتمال الاول: أن يكون الرئيس مرسي استغل الهجوم على الجنود المصريين للتخلص من الاتفاق مع المجلس العسكري، وحسم سيطرته على السلطة عبر تحميل القيادة العسكرية مسؤولية التقصير عن اتخاذ الاجراءات العسكرية والامنية لمنع مثل هذا الهجوم خاصة وأنه كانت هناك معلومات استخباراتية عن احتمال حصول هجمات في سيناء اشرت اليها الاجراءات الاسرائيلية الاحترازية بالطلب من السياح الاسرائيليين مغادرة سيناء، وفي ظل الغضب الذي عم الشارع المصري نتيجة الهجوم الغادر في سيناء لم تكن قيادة المجلس العسكري قادرة على الاعتراض على قرارات مرسي.
الاحتمال الثاني: أن يكون مرسي اكتشف مؤامرة حاكها المجلس العسكري تستهدف اضعاف الرئيس والنيل منه في جنازة شهداء مجزرة سيناء في سياق التحضير للقيام بانقلاب يطيح بحكمه والاخوان يوم 24 آب ـــ اغسطس خلال التظاهرات المقرر، حسب المعلومات المتداولة، أن يقودها رجل، ساويرس، المدعو ابو حامد، يجري خلالها محاصرة القصر الجمهوري واحراق بعض المؤسسات العامة ومراكز الاخوان، وذلك بمشاركة منظمة متطرفه قبطية يقودها القس مانياس نصر، على ان يتدخل العسكر، على غرار ما حدث مع مبارك، ويجبر مرسي على التنحي. ويبدو ان انكشاف هذه المؤمراة الانقلابية قبل الشروع بتنفيذها، بعد ضبط جهاز «أي باد» الكومبيوتر مع الرئيس المخلوع مبارك في السجن يحتوي على اسرار واتصالات بين مبارك وجهات داخلية وخارجية، والمرجح انها شملت طنطاوي وعنان وقيادات اخرى في المجلس العسكري، وفر للرئيس مرسي السلاح الذي مكنه من اتخاذ قراراته باقصاء القيادات العسكرية المشاركة في المؤامرة، وهو ما حال دون اعتراض المجلس العسكري عليها.
الاحتمال الثالث: حصول تفاهم بين مرسي والمجلس العسكري، وبموافقة اميركية على هذه التغييرات بهدف تلميع الرئيس مرسي شعبياً وتمكينه من الحكم وضبط الامن في سيناء واعادة احكام الحصار على قطاع غزة، بما يحول دون استمرار تهريب السلاح الى المقاومة الفلسطينية، وحماية أمن الكيان الصهيوني من الجبهة الجنوبية لفلسطين المحتلة، وذلك بحجة حماية أمن وسيادة مصر، بعد الهجوم الذي تعرض اليه الجنود المصريين، في نقطة رفح الحدودية، بتدبير وتخطيط اسرائيلي اميركي.
وما يدعم هذا الاحتمال أن مرسي عين طنطاوي وعنان مستشارين عسكريين له، في حين لم يكن بالامكان تحقيق كل ذلك دون تفاهم مسبق مع واشنطن التي اعلنت أنها كانت على علم بكل ما حصل.
ثالثاً: تغيير أم تثبيت حكم الاخوان مقابل المحافظة على سياسات مصر الخارجية؟
إن الكلمة الفصل في تحديد خلفيات ما حصل من قرارات اتخذها الرئيس مرسي ستكون في تحديد ماهية السياسات التي سينتهجها على كل المستويات السياسية والامنية والاقتصادية الاجتماعية، وليس أي شيء آخر.
ففي السابق كان يقال ان الاخوان لا يريدون الافصاح عن مضمون موقفهم من جميع القضايا المطروحة، وفي مقدمها الموقف من اتفاقيات كامب ديفيد، حتى يتمكنوا من الوصول الى السلطة، أما اليوم، وقد اصبحوا يسيطرون على جميع مفاصل السلطة من دون منازع، فانهم مطالبون بالاعلان عن سياساتهم خاصة لناحية:
1- الموقف من اتفاقيات كامب ديفيد، هل سيستمرون بالالتزام بها وما يترتب عليها من مواصلة التنسيق الامني مع العدو الصهيوني والولايات المتحدة الاميركية، والاستمرار في الالتزام بالاستراتيحية الصهيونية الغربية القاضية بحصار قطاع غزة وخنق المقاومة الفلسطينية، أم سوف يعمدون الى وقف كل هذه السياسات التي كان ينتهجها حسني مبارك ويضعون حداً لانخراط النظام المصري في الاجندة الاميركية الصهيونية، ويكسرون الحصار المفروض على غزة ويجعلون من مصر سنداً حقيقياً للشعب العربي الفلسطيني ومقاومته.
2- الموقف من التبعية السياسية والاقتصادية للولايات المتحدة الاميركية حيث ترتبط مصر، ومنذ عقود، بعلاقات مع الولايات النتحدة تجعلها مرتهنة للسياسة الاميركية مقابل مساعدات عسكرية واقتصادية سنوية تقدمها واشنطن لمصر.
هل سيضع مرسي نهاية لهذه التبعية، أم يحرص على عدم اغضاب واشنطن لضمان استمرار تدفق المساعدات الاميركية، المشروط ببقاء مصر جزءا من الاستراتيجية الاميركية في المنطقة.
3- الموقف من السياسة الاقتصادية النيوليبرالية القائمة في مصر، والتي دشنها انور السادات وعرفت بعصر الانفتاح الذي أدى الى تحرير الاقتصاد المصري، وتشريع البلاد امام غزو السلع والاستثمارات الغربية بلا قيود، وهو ما أدى الى تدمير قطاع الانتاج المصري الزراعي والصناعي، والقضاء على انجازات الرئيس الراحل جمال عبدالناصر الصناعية والزراعية والاجتماعية، والتسبب بافقار الشعب المصري، وجعل مصر ترزح تحت عبء الدين والعجز والتبعية الاقتصادية، التي قادت الى تكريس التبعية السياسية للغرب.
انطلاقا من ذلك فان اي حديث عن تغيير فعلي في مصر سيكون بالضرورة مرتبط بشكل اساسي باتخاذ قرارات راديكالية تحرر مصر من كل هذه السياسات، السالفة الذكر، التي كبلتها سياسيا وأمنيا واقتصادياً، وافقدتها العدالة الاجتماعية، واستقلالها السياسي والاقتصادي الذي لذلك كانت تنعم به في عهد عبدالناصر، لذلك فان الاخوان يقفون أمام مفترق طرق حقيقي: اما يبرهون عن وطنية وعروبة حقيقية فيحررون مصر من قيود كامب ديفيد، ومن التبعية السياسية والاقتصادية والأمنية للولايات المتحدة الاميركية وكيان العدو الصهيوني، ويعيدون بناء الاقتصاد المصري على قواعد التنمية والاستقلال الوطني، ويردون الاعتبار لدولة الرعاية الاجتماعية.
أو يؤكدون التزامهم بالتعهدات التي قطعوها للمسؤولين الاميركيين، والتي تعني استمرارهم بالسياسات التي كان ينتهجها الرئيس المخلوع حسني مبارك، وفي مثل هذه الحالة لا يمكن القول ان تغييراً جوهرياً قد حصل في مصر، وانما تغيبراً شكلياً تجسد في ازاحة اشخاص والمجيىء بآخرين ينتهجون نفس السياسات السابقة.
أما محاولة الالتفاف على تطلعات الشعب بالتغيير الحقيقي، عبر اجراء تعديل جزئي على اتفاقيات كامب ديفيد لمحت اليه اسرائيل ويقضي بزيادة عديد القوات المصرية في سيناء وادخال دبابات والسماح بتحليق الطيران الحربي المصري كما يحصل حالياً، واتخاذ بعض الاجراءات الاقتصادية الاجتماعية على قاعدة استمرار سياسات النيو ليبرالية.